تعليم الوادىمواهب الوادى

الدكتور محمود محمد على : جامعة الوادي الجديد … تخطو علي المسار الصحيح

بقلم د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة جامعة الوادي الجديد

عندما قرر السيد رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي إنشاء جامعة بالوادي الجديد أدركت علي الفور أن هذا القرار كان صائبا ، وذلك بهدف أن يؤدي التعليم الجامعي دوراً في تطوير المجتمع وتنميته وتنويره ، وتوسيع أفاقه المعرفية والثقافية من خلال إسهام مؤسساته في تخريج كوادر بشرية تملك المعرفة والعلم للتدريب علي العمل في المجالات والتخصصات المختلفة ، حيث توظف طاقاتها وامكاناتها لتحقيق أهدافها المتعلقة بالتعليم ، وإعداد القوي البشرية ، والبحث العلمي إضافة إلي خدمة المجتمع ، فلكل جامعة رسالتها التي هي من صنع المجتمع من ناحية ، وأداة لصنع قيادته الفنية والمهنية والسياسية والفكرية من ناحية أخري.

وقد تميزت جامعة الوادي الجديد منذ قيامها العام الماضي برئاسة الأستاذ الدكتور عبد العزيز طنطاوي رئيس الجامعة ( في العام الماضي) بتعاملها الواعي مع متطلبات مجتمعها وتفاعلها القائم علي معايشة كاملة لمفرداته والسعي في تلبية احتياجات مواطنيه انطلاقا من دور أساسي يوازن بين مهام الجامعة التعليمية والبحثية وبين رسالتها في خدمة مجتمعها ، كما تميزت بالبحث في الوسائل الجديدة وتطوير أساليب العمل والتطويع الكامل لإمكانياتها وتسخير قدراتها في خدمة هذا التوجه.

وهذ بالفعل ما اكتشفناه من خلال اللقاء الذي عقده الدكتور عبد العزيز طنطاوي حين اجتمع مساء الثلاثاء الماضي الموافق 15 أكتوبر من هذا العام (2019) حيث اكتشفت أنني إزاء شخصية متميزة تتسم بطابع الجدية ، خاصة وقد كان الحوار معه من قِبل الذين لا يقدرونه ولا يحسنون استخدام عقولهم من أصعب الأمور . فهو لا يقبل هذراً ولا فوضي. والألفاظ لديه ينبغي أن تكون علي قدر معانيها . فالتزيد مرفوض، والفيهقة مستحيلة . لذلك كانت دائرة أصدقائه ضيقة جدا، ومعارفه قليلين ، وصارت الفكرة التي شاعت عنه أن الصغار يخشون منه، والكبار يهابونه.

علاوة علي أن الدكتور عبد العزيز طنطاوي يسعي جاهدا (وهو واضح من كلامه في لقاء الثلاثاء الماضي) إلي تطوير العملية التعليمية بالوادي الجديد ؛ ففي رأيه أن هناك محددات للانتقال بالتعليم المصري الجامعي إلي المنافسة العالمية ؛ إذ إنه من أجل الخروج من هذا النفق الذي يحاصر عملية التعلم الجامعي ، فهناك عدد من التحولات في نظره يجب أن تتسم بها مسيرة تطوير التعليم في مرحلة الجامعة من أجل وضعه في إطار العالمية ، وذلك علي النحو التالي :

أولا: التحول من الجمود إلي المرونة من خلال تبني فكرة التطوير المستمر في سياق منظور استراتيجي واضح ، فالمرونة في النظام التعليمي الجامعي أساس لمواجهة التغير المستمر في معطيات الحياة داخليا وخارجيا، وأساس الإدراك المتنوع وتقبل الاختلاف.

ثانيا: التحول من التجانس إلي التنوع فيما يقدمه التعلم للطلاب من خبرات ، والأخذ بالتمييز بين الطلاب علي أساس الفروق الفردية والتخلي عن فكرة الطالب المتوسط هو النموذج رغم تنوع القدرات وتنوع البيئات ؛ خاصة وأن تبني خاصية التجانس في التعليم أنتجت نسخا متكررة من المتعلمين يتم تشكيلهم في أنماط جامدة .

ثالثا: التحول من ثقافة الحد الأدنى إلي ثقافة الإتقان والجودة ، حيث إن تعليمنا الراهن في نظر عبد العزيز طنطاوي يكتفي في التدريس والامتحان بتوافر 50% من المعرفة والمهارة ، وهو شرط النجاح في كل مادة دراسية في التعليم الجامعي . وثقافة الحد الأدنى هذه تشير إلي أننا نؤمن بأنصاف المتعلمين ، وهذا ما يرفضه عبد العزيز طنطاوي في عصر سريع التغير والتعقد.

رابعا: التحول من ثقافة الاجترار إلي ثقافة الابتكار ؛ حيث يعتقد عبد العزيز طنطاوي أن التعليم الجامعي الآن يركز علي المستويات المعرفية الدنيا والتي لا تتجاوز استرجاع المعرفة والتي تأخذ بالحفظ الالي أو الحفظ الأصم في التدريس والامتحان علي حد سواء .

خامسا: التحول من ثقافة التسليم إلي ثقافة التقويم ، ذلك أن التعليم الجامعي الراهن في نظر عبد العزيز طنطاوي يكتفي بما يقدمه الكتاب الجامعي أو الأستاذ الملقن من حقائق ويعتبرهما المصدر للمعرفة ، وهكذا يفتقد الطالب والأستاذ والجامعة (في نظر عبد العزيز طنطاوي) العقلية الناقدة الفاحصة وثقافة التقويم التي يجب أن تسود جميع عناصر العملية التعليمية لمعرفة ما يتحقق من أهداف وتوفير المعرفة التي تبني علي سياسة التخطيط والتنفيذ ، ولذلك يساهم التقويم في رأي عبد العزيز طنطاوي في التصحيح الذاتي وتصويب المسار.

سادسا: التحول من السلوك الاستجابي إلي السلوك الإيجابي ؛ حيث يعد ذلك النمط في نظر عبد العزيز طنطاوي من السلوك السائد في مؤسسات التعليم الجامعي وتراث لعصور التخلف ويتمثل في التواكل والاستسلام وضعف إرادة التغيير والنظرة غير العلمية في تفسير الظواهر والأحداث ، ومن نتائجه الإرهاب والتطرف وبناء عليه فإن التعليم في نظر عبد العزيز طنطاوي صار بحاجة ملحة إلي السلوك الإيجابي حيث يكون المتعلم إيجابيا فعالاً نشطاً مشاركاً في كل مواقف الحياة .

سابعاً: التحول من الاعتماد علي الآخر إلي الاعتماد علي الذات حيث يعتمد التعليم الجامعي في مصر في نظر عبد العزيز طنطاوي علي التلقين واعتبار الكتاب المدرسي هو كل مصادر المعرفة والمكتبات أصبحت مجرد ديكور تربوي ، وبالتالي فالتعليم في جامعة الوادي الجديد بحاجة إلي أستاذ معلم يساهم في تيسير وتسهيل المعرفة ويساعد علي امتلاك مفاتيح المعرفة ومهارات الحصول عليها ويدرب علي التعليم الذاتي والتقويم الذاتي الذي يدفع المتعلم إلي المزيد من التعلم مدي الحياة وعليه يجب كما يقول عبد العزيز طنطاوي أن يتم إثراء الكتاب المدرسي من خلال الإشارات والتكليفات إلي القراءة خارج المقرر وعبر بنك المعرفة الذي يوفر التعدد والتنوع.

ثامنا: التحول من التعليم محدود الأمد إلي التعليم مدي الحياة ، حيث إن التعليم في نظر عبد العزيز طنطاوي من أجل الحياة يعد أحد مفاتيح القرن الحالي الواحد والعشرين ، ويتطلب ذلك التدريب المستمر وتحديث المعلومات مدي الحياة استجابة لحاجات ومطالب المجتمع المتجددة دائما وحاجات سوق العمل المتغيرة دائما.

تاسعا: التحول من ثقافة القهر إلي ثقافة المشاركة ، حيث إن ثقافة القهر أدت إل تخلف التعليم حتي صارت سائدة في أمور من أهمها كما يقول عبد العزيز طنطاوي الرأي الواحد والفكر الواحد وعدم تقبل الرأي الآخر والتعليم للامتحانات وليس للحياة وهذا ما يتعارض مع التوجه الديمقراطي وتشجيع التعددية في السياسة الوطنية وثقافة المشاركة واللامركزية ، حيث إن مطالب القرن الحالي تفرض الأخذ بالمبادرة والإبداع والحرية الفردية والديمقراطية السياسة وحقوق الإنسان .

عاشرا: التحول من ثقافة التحصيل إلي ثقافة التفكير الناقد وذلك يتطلب تنمية مهارات التفكير الناقد ، وتدريسها كمهارات عامة يجب تعلمها في الجامعة واعتبارها محور بناء البرامج التعليمة ، وهو أمر تفرضه طبيعة الحياة المعاصرة التي تزدحم بالتغيرات السريعة والمعقدة.

ولم يقف عبد العزيز طنطاوي عند حد وضع وصياغة استراتيجيات تطوير التعليم الجامعي، وإنما أعلن أنه خلال الفترة القادمة ستشهد جامعة الوادي الجديد تنفيذاً لهذه الأمور ، بل اكتشفت أمرا آخر وهو أن هذا الرجل يفكر خارج الصندوق ، لكن للأسف البعض من الصحفيين وزملائنا بالعمل الإعلامي بدأ منذ توليه رئاسة الجامعة إلي مهاجمته بحجة أن جامعته الناشئة والوليدة تعاني عجزا صارخا بأعضاء هيئة التدريس ، وأنه لم يُقدم منذ تعيينه رئيساً للجامعة منذ العام الماضي إلي الآن علي أن يقوم بتعيين المنتدبين الذين يقومون بالتدريس لسد العجر التدريسي في الجامعة.

وأنا لا أدافع عن عبد العزيز طنطاوي ولكن ربما حسب اعتقادي هو إيمان هذا الرجل الواضح والجلي بأن يكون التعيين بالجامعة بناءً علي الكفاءة العلمية والجدارة والاستحقاق، فتكون هي المعيار الذي تغيب معه الوساطة والمحسوبية التي تصدر لنا عقول خاوية ليست جديرة بالتدريس لأجيال المعرفة .

وأنا أؤيده في ذلك فهناك عددا كبيراً من الذين حصلوا علي درجة الدكتوراه منذ فترة طويلة انقطعوا فيها عن العمل البحثي وأصيبت عقولهم بحالة من الصدأ الفكري، فلا قراءة ولا متابعة لمسيرة التطوير في التعليم لكي يضيفوا بأبحاثهم العلمية، وذلك في ظل غياب واضح لتفعيل حقوق الملكية الفكرية في العلوم الإنسانية مما أدي لغياب واضح للشفافية والمصداقية للإنتاج العلمي؛ حيث إن هناك شكوك تحوم حول هذا الإنتاج العلمي الوفير في الأوانة الفكرية لوجود مراكز تقوم بعمل رسائل للماجستير والدكتوراه نظير مقابل مادي كبير ، وهؤلاء تتسم أبحاثهم بالضعف المنهجي الشديد ولا تضيف أي جديد للإنسانية، بل هي عبارة عن نقل وقص ولزق لا ترتقي لمشكلة تربوية أو إنسانية لإيجاد حلول عملية لها؛ حيث إن كثير من الباحثين يحصلون علي الدرجة العلمية وهم في حالة الاضطراب الفكري والثقافي مع غياب ايديولوجية واضحة للباحث من خلال بحثة.

علاوة علي أن الدكتور عبد العزيز طنطاوي يريد بجامعة الوادي الجديد أن تخطو خطواتها الواعدة مع تبني قوة المعرفة والتنافسية والتنمية البشرية المستدامة؛ ولهذا السبب فإن الأمل معقود عليه ؛ ( وذلك حسب ما قاله صديقي الدكتور أحمد عمر في مقاله أمس بجريدة مصراوي الالكترونية عن “جامعة بلا أسوار في الوادي الجديد”):” بما يملكه من خبرات أكاديمية، ورؤية وطموح وهمة، وشجاعة في اتخاذ القرار، في تأسيس كليات وأقسام جديدة بالجامعة، وترتيب أوضاع القائم منها عبر تطوير الأساليب التعليمية، والإدارة الأكاديمية، ومناهج التدريس لتتناسب مع متغيرات العصر، ومتطلبات المجتمع وسوق العمل؛ لتصبح جامعة الوادي الجديد جامعة مفتوحة على المجتمع المحلي وإضافة علمية ومعرفية وثقافية وتنموية لبيئتها الخاصة وللوطن كله”.

تحيةً مني للدكتور عبد العزيز طنطاوي الذي آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً . بارك الله لنا في هذا الرجل الذي يمثل لنا قيمة جميلة وسامية في زمن سيطر عليه السفهاء، وأمد الله لنا في عمره قلماً يكتب عن أوجاعنا، وأوجاع وطننا، بهدف الكشف عن مثالب الواقع، والبحث عن غداً أفضل، وأبقاه الله لنا إنساناً نلقي عليه ما لا تحمله قلوبنا وصدورنا، ونستفهم منه عن ما عجزت عقولنا عن فهمه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق